الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
113
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وأن يمسخوا الوجه الواقعي ليوسف ( عليه السلام ) بحيث بلغت الحال أن يصوروا " فيلما سينمائيا " وينشروه بصورة مبتذلة . . . إلا أن القرآن - وكل ما فيه أسوة وعبرة - عكس في ثنايا هذه القصة أسمى دروس العفة وضبط النفس والتقوى والإيمان ، حتى لو أن إنسانا قرأها عدة مرات فإنه يتأثر - بدون اختيار - بأسلوبها الجذاب في كل مرة . ولذا فقد عبر القرآن عنها ب أحسن القصص وجعل فيها العبر للمعتبرين أولي الألباب . 3 - التدقيق في آيات هذه السورة يكشف هذه الحقيقة للإنسان ، وهي أن القرآن معجز في جميع أبعاده ، لأن الأبطال الذين يقدمهم في قصصه أبطال حقيقيون لا خياليون ، وكل واحد في نفسه منهم منعدم النظير : فإبراهيم ( عليه السلام ) : البطل الذي حطم الأصنام بروحه العالية التي لا تقبل المساومة مع الطغاة . ونوح ( عليه السلام ) : بطل الصبر والاستقامة والشفقة والقلب المحترق في ذلك العمر الطويل المبارك . وموسى ( عليه السلام ) : البطل المربي لقومه اللجوجين ، والذي وقف بوجه فرعون المتكبر الطاغي . ويوسف ( عليه السلام ) : بطل الورع والتقوى والطهارة . . . أمام امرأة محتالة جميلة عاشقة . بعد هذا كله تتجلى القدرة البيانية للوحي القرآني بصورة تحير الإنسان ، لأن هذه القصة - كما نعرف - تنتهي في بعض مواردها إلى مسائل العشق ودون أن يمسخها القرآن أو يتجاوزها يتعرض إلى الأحداث في مسرحها بدقة بحيث لا يحس السامع شئ غير مطلوب فيها . ويذكر القضايا بأجمعها في المتن ، ولكن تحفها أشعة قوية من التقوى والطهارة .